قضايا أرمنية

تحتوي مدونتي على المقالات عن الشؤون والقضايا الأرمنية، الى جانب حياة الأرمن العراقيين

رحلتي الأولى إلى أرمينيا وغاراباغ الجبلية- السابع من أبريل- الخامس من مايس 2006-

سأدون في هذه المقالة والمقالات التي تليها انطباعاتي عن رحلتي الأولى إلى جمهورية أرمينيا وجمهورية غاراباغ الجبلية (ناغورني كاراباخ)، وكذلك زيارتي إلى سوريا، والتي أحرص على اطلاع القارئ العزيز عليها.

 

السفر إلى دمشق

        نظراً لعدم وجود رحلات جوية أو برية بين بغداد ويريفان عاصمة جمهورية أرمينيا، كان عليَّ التوجه بالطائرة أولاً إلى مدينة دمشق، ومنها إلى مدينة حلب السورية، وذلك لعدم سلامة الطريق البري الواصل بين بغداد وحلب وتكرار حوادث السلب والاختطاف عليها.

        انطلقت بالسيارة صباح يوم الثالث من نيسان-أبريل 2006 من منزلي في بغداد، وعبرت الحواجز العسكرية العديدة في الطريق نحو مطار بغداد الدولي، كان آخرها حاجز لتفتيش الأمتعة. ثم واصلت السيارة المسير حتى وصلت إلى المطار. وبعد أن أكملت إجراءات السفر كان عليَّ انتظار الطائرة التي كان من المفترض أن تقلع في الساعة العاشرة صباحاً، انتظارها لساعات حتى وصلت متأخرة وأقلعت في الساعة الثانية بعد الظهر. وكان عدد الركاب المسافرين يفوق استيعاب الطائرة، مما اضطر طاقم الطائرة إلى إنزال الركاب الفائضين عن استيعاب الطائرة !!

 

في دمشق

         بعد تحليقها لنحو الساعة والربع، وصلت الطائرة إلى مطار دمشق الدولي، وقد أخرت الوقت عند وصولي إلى دمشق ساعة واحدة بسبب فرق التوقيت بين سوريا والعراق. وكان جو دمشق بارداً وممطراً، بخلاف جو بغداد الذي كان قد أصبح دافئاً.

        وفي الطريق من المطار نحو المدينة، كانت مدينة دمشق تبدو لي وكأنها مدينة بغداد، فهي تشبهها بشوارعها ومبانيها. وقال لي سائق سيارة الأجرة التي أقلتني من المطار: إن هذا هو انطباع جميع العراقيين الذين التقى بهم عن مدينة دمشق.

        وفي اليوم التالي، زرت مقر سفارة جمهورية أرمينيا في دمشق لأحصل منها على تأشيرة السفر إلى أرمينيا التي حصلت عليها في اليوم ذاته، كوني من العاملين السابقين في سفارة جمهورية أرمينيا في العراق، إذ عملت مترجماً وإدارياً في السفارة منذ افتتاحها عام 2000، وحتى مغادرة أركان السفارة للعراق قبل اندلاع الحرب الأميركية-البريطانية على العراق في آذار-مارس 2003.

        وبعد أن قطعت تذكرتي السفر بالطائرة من دمشق إلى حلب، ومن حلب إلى يريفان، غادرت دمشق بعد أن مكثت فيها يوماً واحداً.

 

الوصول إلى حلب

        عندما كانت الطائرة تحلق في أجواء مدينة حلب كنت أشعر بأن المدينة قريبة جداً لي. فحلب هي مسقط رأس أمي وعائلتها هاجرت إليها من مدينة (كيليس)، في أقليم كيليكيا الواقع شمالي سوريا وعلى البحر المتوسط، قبل مجازر الإبادة الأرمنية لعام 1915.

        وقبل خروجي من مطار حلب، علمت بالأجرة المقررة للسيارة التي كانت ستقلني من المطار إلى المدينة. وعند خروجي من مدخل المطار، عرض عليَّ أحد السواق نقلي إلى المدينة، ولكن بضعف الأجرة المقررة، إلا أنني رفضت هذا العرض. ولم يقبل أي من السواق الآخرين بأجرة أقل من الأجرة التي حاول السائق الأول فرضها عليَّ، حتى بدا لي وكأن هنالك اتفاقاً بين هؤلاء السواق على هذه الأجرة. بيد أن سائقاً شهماً وصل من المدينة عرض عليَّ الأجرة المقررة، مما أثار غضب بقية السواق الذين أرادوا إبعاده من أمام مدخل المطار !! وهنا اشتد غضبي على هؤلاء السواق، فألقيت عليهم، وبصوت مسموع، محاضرة مجانية حول ضرورة الاهتمام بالضيف وعدم استغلاله، لا سيما إذا كان من دولة عربية شقيقة مجاورة !!

        وبعد أن نزلت في فندق بالمدينة، أسرعت للبحث عن ابن خالتي الذي يملك محلاً للألبسة والقمصان في شارع التلل بالمدينة. وكنت أتطلع وأنا أسير في الشارع في لوحات الإعلان الكثيرة، وأشعر بالفخر لدى قراءتي لأسماء كثيرة لأطباء وصيادلة ومحامين ومصورين من الأرمن في المدينة، حتى وقع نظري على اسم المحل الذي يملكه أبن خالتي. وقبل أن أدخل المحل نظرت إلى الداخل، فشاهدت ابن خالتي واقفاً، وقد عرفته من الصور، لأنني لم أكن قد رأيته منذ 41 عاماً، منذ أن كنت طفلاً في الخامسة من عمره !! بيد أنني كنت قد قابلت خالتيَّ الكبرى والصغرى، وكذلك أبناءهما عند زياراتهم لبغداد في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

        دخلت المحل وألقيت التحية بالأرمنية على ابن خالتي وهو في الستينيات من عمره، وقلت له: هل عرفتني ؟ فنظر في وجهي باهتمام، وقال لي: ملامحك لا تبدو غريبة لي !! فأجبته: أنا ابن خالتك من بغداد !! فتعانقنا وأخذ أحدنا يقبل الآخر، وسرعان ما أخبر عائلته وخالتيَّ عن مجيئي غير المتوقع هذا إلى حلب.

        قضيت في مدينة حلب برفقة أقاربي ثلاثة أيام كانت من أجمل أيام حياتي. وكانت مدينة حلب تبدو لي شبيهة جداً بمدينة الموصل العراقية. وكنت أقرأ في شوارع حلب الشهباء الملصقات التي تحمل عنوان: حلب عاصمة الثقافة الإسلامية.

        وخلال زيارتي للمدينة قررت زيارة قبر جدي لأمي الذي توفي في العام 1945. ولا يملك جدي لأبي وأي من أعضاء عائلته قبوراً، كونهم من ضحايا مجازر الإبادة الأرمنية في الدولة العثمانية لعام 1915، وكانوا من سكنة مدينة (اورفة)التي تقع في جنوب تركيا حالياً.

        وفي مطار حلب الدولي، كان من المفترض أن تقلع الطائرة من حلب إلى يريفان في الساعة الثامنة مساء، إلا أن موعد الإقلاع تأخر بسبب الزيارة الرسمية لوزير الخارجية لجمهورية أرمينيا فارتان اوسكانيان لسوريا. وأقلعت الطائرة في الساعة العاشرة وعشرة دقائق ليلاً لتصل مدينة يريفان في الساعة الحادية عشرة والنصف مساء (بتوقيت سوريا)، أي في الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل بتوقيت أرمينيا.
 

في يريفان

            عندما كانت الطائرة تحلق في أجواء مدينة يريفان، عاصمة جمهورية أرمينيا، وبعد هبوطها على أرضية مطارها المسمى (زفارتنوتس)، وهو المطار الحديث للمدينة الذي بدأ تشغيله في العام 1980، انتابني شعور غريب. فقد أدركت أنني أشاهد المدينة بحق، لأنني كنت أراها مراراً وتكراراً في أحلامي.. أراها وأنا أتجول في شوارعها وأتطلع في مبانيها. وكان ينتابني شعور بالفرح عند مشاهدة الحلم والانزعاج الشديد عند الاستيقاظ من النوم والإدراك بأن ما شاهدته لم يتجاوز كونه حلماً !! ولكن هذه المرة وطأت قدماي أرض أرمينيا التي قبلتها في المطار، ولم اعد أصدق بأنني في أرمينيا ويريفان بحق، وبأنني لا أحلم !!

        وأرمينيا هي إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق التي أعلنت استقلالها في 21 أيلول-سبتمبر 1991 على مساحة تقدر بـ (29) ألفاً و (800) كيلومتر مربع. وتمثل هذه المساحة نحو عشر مساحة أرمينيا التاريخية التي تقدر بـ (300) ألف كيلومتر مربع، ويقع أغلبها اليوم في تركيا. ويبلغ عدد سكان أرمينيا نحو 3 ملايين و 200 ألف نسمة.

        وقد قرأت منذ نعومة أظفاري تاريخ أرمينيا الذي يمتد لآلاف السنين والحافل بالكفاح والإبداع والمصاعب والتضحيات ومحاولة الغزاة السيطرة عليها ونهب ثرواتها وتهجير أبنائها وإبادتهم. وتحضر أرمينيا في وجداني وأحاسيسي من خلال هذا التاريخ الحافل بالأحداث.

        وتعد مدينة يريفان إحدى أقدم العواصم في العالم. فقد أنشئت يريفان (ايريبوني) من قبل ملك أرمينيا اركيشدي الأول في عام 782 ق.م، لذا فهي أقدم من مدينة روما بـ (29) سنة. واحتفلت أرمينيا عام 1968 بذكرى مرور 2750 سنة على تأسيسها، وتحتفل سنوياً بهذه الذكرى. وتبلغ مساحة مدينة يريفان نحو 300 كيلومتر مربع، ويتجاوز عدد سكانها المليون و 250 ألف نسمة.       

        بدأ استكشافي للمدينة منذ اليوم التالي لوصولي لها. فبدأت أتجول في شوارعها الجميلة، بالاستعانة بخريطة اقتنيتها من إحدى المكتبات في المدينة، وأتطلع في وجوه الرجال والنساء والفتيات الجميلات الرشيقات والأنيقات.

        وتوجد على أرض أرمينيا حتى اليوم، كما هي الحال في يريفان، أكثر من خمسة آلاف نصب معماري وأثري تمثل الحقب التاريخية المختلفة قبل وبعد دخول المسيحية الى أرمينيا، حتى سميت أرمينيا بـ "المتحف في الهواء الطلق". ويريفان هي المدينة الفريدة في العالم التي لا يتم أبداً طلاء مبانيها التي تتألف من حجر الدوف الأرمني وأحجار البازلت والكرانيت والمرمر والتي تعطي ألواناً جذابة وساحرة.

        وكان بإمكاني أن أرى من شبابيك منازل زرتها في يريفان، لا سيما عندما يكون الجو صحواً، جبل (آرارات)، وهو الجبل المقدس عند الأرمن والذي رست عليه سفينة النبي نوح بحسب الكتاب المقدس. ويقع الجبل حالياً في تركيا، ويبلغ ارتفاع قمته الأكبر (5156) متراً والأصغر (3914) متراً. ويطلق الأرمن على هذا الجبل أيضاً اسم (ماسيس). وفي الشمال الغربي من يريفان يقع جبل (آراكاتس)، وهو أعلى جبل في جمهورية أرمينيا ويبلغ ارتفاعه (4090) متراً.

        ويجري في مدينة يريفان نهر (هرازتان)، وهو الرافد الأيسر لنهر (آراكس) الذي يعد أحد الأنهار الرئيسة الأربعة في أرمينيا التاريخية، الى جانب دجلة والفرات والكر. ويقسم نهر (هرازتان) مدينة يريفان الى قسمين.

        وإذا كانت مدينة بغداد تقع على مستوى سطح البحر، فإن مدينة يريفان تقع على ارتفاع يتراوح ما بين 865-1390 متراً عن مستوى سطح البحر.

        ومن الكاتدرائيات البارزة في المدينة كاتدرائية القديس كريكور المنور التي افتتحت في العام 2001 في إطار الاحتفالات لمناسبة مرور 1700 سنة على اعتناق أرمينيا الديانة المسيحية بشكل رسمي عام 301 م، وهي مشيّدة على وفق الطراز المعماري الأرمني التقليدي لتتسع لـ 1700 مؤمن، وهو رمز الذكرى الـ 1700 لاعتناق أرمينيا الديانة المسيحية التي جرى الاحتفال بها في العام 2001. وتقع الكاتدرائية قريبة من تقاطع شارعي الملك ديكران الكبير وخانجيان في موضع ليس ببعيد عن ساحة الجمهورية (ساحة لينين سابقاً) في وسط المدينة. وقد زرت هذه الكاتدرائية مرات عديدة، وتقام فيها، بشكل شبه يومي، مراسيم الزواج. وقد ازداد، بشكل كبير، أعداد المتزوجين على وفق الطقوس والمراسيم الكنسية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق. وعلمت أنه لا بد للخطيبين الحجز مسبقاً قبل أشهر للزواج في هذه الكاتدرائية !!

        وقرب الواجهة الأمامية للكاتدرائية هناك تمثال القائد والثائر الأرمني انترانيك الذي افتتح في 25 كانون الأول-ديسمبر 2002، وهو من عمل النحات آرا شيراز. وقد قارعت أفواج الفدائيين الأرمن بقيادة انترانيك الاستعمار والطغيان العثماني في أرمينيا الغربية لسنوات طويلة. ويظهر القائد انترانيك في التمثال جالساً على حصانين يرمزان الى جزئي أرمينيا: الشرقية، والغربية. وكان البطل القومي قد حفظ الأمل طيلة حياته في رؤية جزئي أرمينيا وهما متحدان.

        أما الكاتدرائية البارزة الأخرى في يريفان، فهي كاندرائية القديس سركيس التي يعود بناؤها الى القرن الثالث عشر الميلادي، وتقع على حافة سهل.

        كما يوجد في المدينة الجامع الوحيد الذي بني في القرن السابع عشر الميلادي إبان حكم الدولة الصفوية لأرمينيا.     
 

زيارة إلى مدينة اجميادزين المقدسة

          لمناسبة عيد القيامة المجيد الذي صادف في هذا العام في السادس عشر من نيسان-أبريل، زرت مدينة اجميادزين المقدسة وكاتدرائيتها التي بنيت في العام 303 م بعد أن اعتنقت أرمينيا الديانة المسيحية بشكل رسمي عام 301 م، وهي أول كاتدرائية مسيحية في العالم والمركز الروحي للأرمن ومقر الكائوليكوس (الزعيم الروحي الأعلى للكنيسة الأرمنية).

          تقع المدينة على بعد 18 كيلومتراً غرب مدينة يريفان، وكانت تدعى قديماً (فاغارشاباد)، وقد أسسها ملك أرمينيا فاغارشاك (117-140 م). وأصبحت اجميادزين عاصمة لأرمينيا بين القرنين الثاني والخامس الميلادي.

        وكان تأثري بالغاً بمشاهدة الكاتدرائية التي سمعت وقرأت منذ طفولتي عن قصة تشييدها من قبل القديس كريكور المنور والملك درتاد الثالث[1]، والتي كنت أحاضر عنها لطلبتي في مطرانية الأرمن الأرثوذكس ببغداد في مادة تاريخ الشعب الأرمني والكنيسة الأرمنية. وقد شاهدت الجموع الغفيرة من الأرمن من أرمينيا وأنحاء العالم كافة وهم يحضرون القداس الإلهي الذي أقامه الكاثوليكوس كاريكين الثاني وحضره رئيس جمهورية أرمينيا ورئيس الحكومة وأعضاء الحكومة.

        وقد التقطت، وبعض الأصدقاء، صورة تذكارية في باحة الكاتدرائية مع وزير الخارجية الأرمني فارتان اوسكانيان وعقيلته بعد انتهاء مراسيم القداس الإلهي.

        وفي باحة الكاتدرائية شاهدت قبوراً لزعماء الكنيسة الأرمنية، ومنهم الكاثوليكوس فازكين الأول والكاثوليكوس كاريكين الأول، وهما الرئيسان (130) و (131) للكنيسة الأرمنية الرسولية المقدسة على التوالي. كما شاهدت قبر الكاثوليكوس مكرديج خريميان (خريميان هايريك) الذي كان من قادة حركة التحرر الأرمني في أرمينيا الغربية ورئيس الوفد الأرمني إلى مؤتمر برلين عام 1878، والذي قال لأبناء شعبه بعد عودته إلى موطنه: "لقد طبخت الحرية في برلين، ولكننا لم نتمكن من أكلها بملعقة من الورق. لا ترجوا يا أولادي أي أمل من الأجانب ودبروا أموركم بأنفسكم"، فكان هذا القول نذيراً للثورة عند الأرمن. وستحيي الكنيسة الأرمنية الرسولية وحاضرة اجميادزين المقدسة في العام 2007 ذكرى مرور 100 سنة على وفاته.

       كما شاهدت قبوراً لرؤساء آخرين للكنيسة الأرمنية الرسولية والذين لعبوا دوراً مؤثراً في تاريخ الشعب الأرمني والكنيسة الأرمنية.

 

جولة عامة في يريفان

        ومن المعالم المميزة لمدينة يريفان ساحة (الجمهورية) في وسط المدينة. وتشرف على الساحة مبنى وزارة الخارجية ودار الحكومة ومبانِِ حكومية أخرى، وساعة يريفان الرئيسية التي تشير بدقاتها إلى الوقت كل ربع ساعة. كما تشرف على الساحة بناية متحف تاريخ أرمينيا، وفنادق ومصارف ومكتبات ومرافق أخرى. وتعد الساحة مكاناً ملائماً للاستجمام والراحة، إذ تطلق النافورات المياه في المساحة التي تقابل بناية متحف تاريخ أرمينيا. وفي الليل يبدو المنظر رائعاً من خلال الأنوار المتلألئة للأبنية التي تشرف دائرياً على الساحة.

وبالقرب من ساحة (الجمهورية) يقع شارع آرام، نسبة إلى آرام مانوكيان (1879-1919)، وهو مؤسس الجمهورية الأولى ووزير الداخلية فيها. ويقع في هذا الشارع المنزل الذي سكن فيه مانوكيان. كما تقع بالقرب من ساحة (الجمهورية) البناية التي أعلن آرام مانوكيان من شرفتها استقلال أرمينيا على الجماهير المتشدة في الشارع في 28 أيار-مايس 1918.

        والزائر لمدينة يريفان يمكنه اقتناء هدايا تذكارية أرمنية رائعة من سوق كبيرة تفتتح أيام الأحد في موقع قريب من ساحة (الجمهورية)، ويسمى سوق (فيرنيساج).

        ومن ساحة (الجمهورية) يمكن أن نسلك شارع آبوفيان (سمي باسم الأديب الأرمني البارز خاجادور آبوفيان 1809-1848) للوصول إلى شارع سايات نوفا (وهو موسيقار وشاعر أرمني بارز عاش في القرن الثامن عشر)، ومن ثم الانحراف يساراً للوصول إلى تقاطع شارعي ميسروب ماشدوتس (وهو مخترع الأبجدية الأرمنية في عام 406 م) وباغراميان (نسبة إلى المارشال هوفهانيس باغراميان 1897-1982 وهو من أصل أرمني ومارشال الاتحاد السوفييتي السابق وبطلها لمرتين والذي قاد بنجاح الجيوش السوفييتية أثناء الحرب العالمية الثانية).

        ويقع عند هذا التقاطع مسرح الأوبرا والباليه الحكومي الذي سمي باسم الموسيقار الأرمني الكسندر سباندياريان (1871-1928). ويقع أمام هذا المبنى تمثالا الموسيقار سباندياريان والشاعر الأرمني الكبير هوفهانيس تومانيان (1869-1923)، وتسمى الساحة الداخلية التي تحيط بالتمثالين وبناية الأوبرا ساحة (الحرية). وكان هذا المبنى الذي صمم من قبل المعماري الأرمني والأكاديمي البارز الكسندر تامانيان (وهو واضع الخطة الأساسية لإعادة اعمار مدينة يريفان عام 1924) قد حصل على ميدالية ذهبية في مسابقة عالمية في باريس. ويضم هذا المبنى أيضاً قاعة كبيرة للاحتفالات الموسيقية باسم الموسيقار الأرمني العالمي آرام خاتشادوريان (1903-1978)، والتي شهدت لمرات عديدة عزف الموسيقار فيها.

        وفي مقابل مبنى الأوبرا والباليه توجد ساحة باسم الرسام الأرمني الكبير مارديروس ساريان (1880-1972) تعرض فيها الأعمال الفنية واليدوية الرائعة أيام السبت والأحد من كل أسبوع.

        ومن مبنى الأوبرا والباليه وساحة (مارديروس ساريان) يبدأ شارع باغراميان، وقد تعمدت في إحدى المرات المشي سيراً على الأقدام من ساحة (الجمهورية) إلى مبنى الأوبرا والباليه، ومن ثم سلك شارع باغراميان الطويل، وصولاً إلى ساحة (الصداقة) للتعرف إلى معالم المدينة وطرقها بالاستعانة بخريطة يريفان، بدلاً من ركوب القطار في مترو الأنفاق.

        يقع في شارع باغراميان مقر رئيس الجمهورية ومبنى البرلمان واتحاد الكتاب وعدد من المباني والمرافق العامة. ويتفرع منه شارعا بروشيان وأوربيلي.

        ويمتد شارع باغراميان إلى ساحة (الصداقة)، حيث تقاطع شوارع كييف وكاسيان وكوتشار. والى اليسار يمتد شارع كييف حتى جسر (هرازتان) الذي يربط ضفتي المدينة اليمنى واليسرى. والى اليمين من هذا الجسر يمتد شارع (حالابيان)، وفيه استأجرت شقة أثناء إقامتي في المدينة في حي (آجابنياك)، وتعني بالأرمنية الضفة اليمنى (لنهر هرازتان). والى اليسار من جسر (هرازتان) يقع نصب الإبادة الأرمنية لعام 1915 على التل المسمى (دزيدزيرناكابيرت).

        أما مترو الأنفاق في المدينة، فتبدأ محطته الأولى من ساحة (الصداقة)، وينتهي في المحطة التاسعة في ساحة (كاريكين نجديه)، وهو القائد والثائر الأرمني في سنوات الجمهورية الأولى (1918-1920). ومترو الأنفاق في المدينة هو الثامن الذي شيد في الاتحاد السوفييتي السابق، وبدأ تشغيله في آذار-مارس 1981، ويبلغ الطول الإجمالي لمحطاته التسع 11,9 كيلومتر. وعلمت أن هنالك خطة لمد خطوط القطار إلى مناطق أخرى في المدينة. وكنت أركب قطار مترو الأنفاق للمرة الأولى في حياتي، وذلك بسبب عدم وجوده في مدينة بغداد.

        ولا يمكن لأية كتابة أن تغني عن المشاهدة الحية والانطباعات التي تتكون من مشاهدة المدينة.  

       

مسيرة المشاعل لمناسبة ذكرى الإبادة الأرمنية

          أخبرني أحد الأصدقاء من الأرمن العراقيين الذين استقروا في أرمينيا منذ نحو سنتين أن هنالك مسيرة ينظمها اتحاد الطلبة باسم نيكول اغباليان، الذي كان وزيراً للتربية في عهد الجمهورية الأولى (1918-1920)، ستنطلق من ساحة (الحرية) قرب مبنى الأوبرا والباليه مساء يوم 23 نيسان-أبريل الى نصب الإبادة الأرمنية على تل (دزيدزيرناكابيرت)، وذلك قبل يوم من المسيرات الجماهيرية التي تنطلق في أرمينيا لإحياء ذكرى الشهداء الأرمن في الإبادة الأرمنية لعام 1915. وفي الوقت ذاته، تلقيت دعوة من صديق آخر من الأرمن العراقيين الذين استقروا في أرمينيا لحضور حفل مكرس لذكرى الإبادة في قاعة (آرام خاتشاتوريان) في مبنى الأوبرا والباليه.

        وقد حضرت الحفل أولاً، وكان رائعاً، وكانت الألحان والكلمات والقصائد والرقصات كلها تمجد روح الاستشهاد والصمود والتحدي لدى أبناء الشعب الأرمني الذي تعرض في عام 1915 لأبشع جريمة ترتكب بحق الإنسانية، وهي أول جريمة إبادة في القرن العشرين. ولكن هذا الشعب تحدى الموت بإرادته الصلبة وتغلب عليه.

        وبعد انتهاء الحفل، كانت مسيرة المشاعل قد بدأت بالانطلاق من قرب مبنى الأوبرا والباليه، فلحقت بها برفقة الصديق الذي دعاني للحفل. وكانت هذه أول مسيرة من نوعها أشارك فيها في حياتي، وقد شارك فيها الآلاف من الشباب الجامعيين والنساء والرجال من مختلف الأعمار وهم يحملون المشاعل والأعلام الأرمنية وينشدون الأغاني الوطنية ويهتفون عبارة "الاعتراف"، مطالبين المجتمع الدولي برمته بالاعتراف بالإبادة الأرمنية. وقد نظمت المسيرة، برغم الجو الممطر، وانطلقت إلى شارع المارشال باغراميان، ومنه الى شارعي اوربيلي وكييف باتجاه جسر (هرازتان)، ومن ثم الى نصب الإبادة الأرمنية الذي يقع، وكما أسلفت سابقاً، على تل مرتفع يشرف على العاصمة، ويتم الوصول إليه مشياً على الأقدام. وقد رأيت مدينة يريفان بشوارعها ومبانيها وأضوائها المتلألئة ليلاً من هذا المكان المرتفع. ثم قفلت راجعاً الى الشقة التي استأجرتها في شارع (حالابيان) في الجهة الأخرى من جسر (هرازتان).

 

 

المسيرات الجماهيرية لمناسبة ذكرى الإبادة الأرمنية

        عانت أرمينيا في ظل الحكم العثماني من الاضطهاد والتبعية الاستعمارية، شأنها في ذلك شأن جميع الدول الخاضعة لحكم العثمانيين، بضمنها الدول العربية.

وفي عام 1915، جرت مذابح الأرمن العظمى التي أزهقت فيها نفوس مليون ونصف المليون شخص من مواطني الدولة العثمانية خلال اقل من سنة في مجازر وحشية لم يشهد التاريخ لها مثيلاً. وأدت هذه المذابح أيضاً إلى فقدان الأرمن للجزء الأكبر من وطنهم التاريخي الذي عاشوا فيه منذ الألف الثالث قبل الميلاد، فضلاً عن تكبدهم، إلى جانب الخسائر البشرية الهائلة، خسائر هائلة بالأموال والممتلكات تبقى حتى الآن من دون تعويض، فضلاً عن تدمير ارثهم الثقافي والحضاري والآثاري، وإعاقة نموهم السكاني.

بدأ تنفيذ الجريمة باعتقال زعماء الأرمن الدينيين في مختلف الأقاليم بداية عام 1915. وفي ليل 24 نيسان-أبريل  من السنة نفسها (وهو اليوم الذي يستذكر فيه الأرمن كل عام ذكرى المذبحة)، اعتقلت السلطات التركية 600 من مفكري ومثقفي الأرمن في العاصمة اسطنبول ومختلف الأقاليم لتجريد الشعب الأرمني من نخبته القيادية، ثم نفوا إلى مناطق مجهولة، حيث جرت تصفيتهم !!

كما قامت الحكومة العثمانية بعزل الجنود الأرمن المجندين في الجيش العثماني وتجريدهم من السلاح وتشغيلهم بأعمال السخرة، حتى وصل الأمر إلى إجبارهم على حفر قبورهم الجماعية بأيديهم قبل قتلهم !! أعقبت ذلك عملية تهجير واسعة من الأقاليم الأرمنية إلى الصحارى العربية تخللتها أعمال نهب وسلب واختطاف وقتل لا مثيل لها !!

        في يوم 24 نيسان-أبريل 2006، ولمناسبة الذكرى السنوية الحادية والتسعين للإبادة الأرمنية، تدفقت الحشود البشرية من سكان مدينة يريفان ومدن أرمينيا كافة، الى جانب الأرمن في المهجر المتواجدين في أرمينيا، تدفقت على نصب الإبادة الأرمنية. وقد ازدحم الطريق الى جسر (هرازتان) من جميع الاتجاهات، وبدأ الناس بالارتفاع الى النصب مشياً على الأقدام. ورأيت الحشود من الناس وهم يحملون الورود لوضعها على النصب. وانتشر باعة الورد بهذه المناسبة في كل مكان من العاصمة، وأخذ بعضهم يوزع الورد مجاناً، في حين قام سواق الباصات بنقل الناس مجاناً الى النصب ومنه. وقد تقلب الجو في هذا اليوم، كما هي الحال في أيام تواجدي الأخرى في يريفان، عدة مرات من المشمس الى الغائم والى الممطر. وكان على الناس استخدام المظلات التي يحملونها معهم عدة مرات في اليوم للوقاية من الشمس، ومن ثم من المطر !!

        وقد زار النصب صباحاً رئيس الجمهورية روبرت كوتشاريان ورئيس الوزراء انترانيك ماركاريان وأعضاء الحكومة والسفراء وأعضاء البعثات الدبلوماسية العاملة في أرمينيا.وأقام الكاثوليكوس كاريكين الثاني قداساً بهذه المناسبة قرب النار الأزلية في وسط النصب.

        والنصب عبارة عن ضريح دائري بقطر 30 متراً، فيه 12 عموداً بازلتياً ضخماً منحنياً نحو المركز، وهي ترمز الى الولايات الاثنتي عشرة لأرمينيا التاريخية. وتفصل هذه الأعمدة ممرات، كل منها بعرض نحو مترين يسمح للأشخاص بالنزول الى داخل النصب.

        وخارج هذا الضريح يوجد عمود بازلتي بارتفاع 40 متراً يرمز الى ارتفاع أرواح الضحايا الى السماء، الى جانب حائط طويل حفرت عليه أسماء المدن الأرمنية في أرمينيا الغربية (العثمانية).

        وقد تم افتتاح هذا النصب في 29 تشرين الثاني-نوفمبر 1967، وزاره خلال 35 عاماً من افتتاحه (أي حتى عام 2002) 14 مليون شخص، ويزوره سنوياً من خارج أرمينيا نحو 20 ألف شخص يؤلف الأرمن في المهجر الجزء الأكبر منهم. وبالقرب من النصب، تم افتتاح متحف ومعهد الإبادة عام 1995، والذي بات معروفاً على الصعيد العالمي. وأمام مدخل المتحف، غرست أشجار من قبل زعماء دول ورؤساء حكومات زاروا أرمينيا، وذلك إحياءً لذكرى الضحايا.

        وقد ارتفعت باقات الورد الموضوعة على النصب من الخارج وعلى محيط النار الأزلية في المساء الى ارتفاع يصل لعدة أمتار. وكانت تسمع، على طول الطريق الى النصب، الحان وتراتيل القداس الكنسي الأرمني والألحان الجنائزية عبر المسجلات الصوتية.

        وقد التقطت العديد من الصور التذكارية في الطريق الى النصب، والى جانب الحائط الذي حفرت عليه أسماء المدن الأرمنية، ومنها مدينة أورفة التي تقع حالياً في تركيا، وهي مسقط رأس أبي وهو من الناجين من مجازر الإبادة الأرمنية عام 1915 بعد أن استشهد جميع أفراد عائلته، باستثناء أخيه الأكبر.

        وقد تم تنظيم الزيارة للنصب بشكل جيد، إذ وزع رجال الشرطة في أماكن مختلفة في الطريق الى النصب لتنظيم صعود الحشود البشرية الى النصب ونزولها منه من الجهة الأخرى (بالقرب من ملعب هرازتان الرياضي).

        يذكر أن التظاهرات بهذه المناسبة انطلقت لأول مرة في يريفان في 24 نيسان-أبريل 1965، لمناسبة الذكرى السنوية الخمسين للإبادة الأرمنية. وفد انطلقت عفوياً من قبل الشعب، على الرغم من جميع أنواع التقييدات التي وضعها النظام السوفييتي الشمولي آنذاك. وشارك في هذه التظاهرات التي نظمها سبعة من الشباب نحو 50 ألف شخص. وقد تم اعتقال منظمي هذه التظاهرات الذين بقي منهم الآن اثنان على قيد الحياة.

        وكانت أول دولة تعترف بالإبادة الأرمنية هي اوروغواي عام 1965. وعرفاناً بالجميل من قبل الشعب الأرمني، تمت تسمية إحدى الساحات في يريفان باسم ساحة (اوروغواي).

        وكان الكاثوليكوس كيفورك الخامس قد حدد يوم 24 نيسان-أيريل 1921 يوماً لتخليد ذكرى الضحايا الأرمن في الإبادة الأرمنية، وهو تقليد تسير عليه الكنيسة الأرمنية حتى اليوم.

 

  

زيارة الى متحف الإبادة الأرمنية

        يقع متحف الإبادة الأرمنية، وكما أسلفت آنفاً، بالقرب من نصب الإبادة الأرمنية.

        ويعرض المتحف صوراً تجسد، بشكل عام، حياة الأرمن في ولايات الأناضول الشرقية والغربية، وجداول بعدد السكان الأرمن والكنائس والمدارس الأرمنية فيها. كما يعرض المتحف صوراً من المجازر الأرمنية لعام 1915، ومذكرات لناجين منها مكتوبة بخط اليد، وصوراً للتدمير الذي لحق بالمدن الأرمنية أثناء هذه المجازر، والذي يستمر حتى الآن في ما يصطلح عليه بـ (الإبادة الثقافية)، الى جانب المصادر والكتب الوفيرة عن الإبادة الأرمنية باللغات المختلفة، والتي ألفها كتاب وشهود عيان أجانب وأرمن.

ومن المصادر العربية حول الإبادة الأرمنية يعرض المتحف كتاب شاهد العيان ورجل الدولة فائز الغصين بعنوان (المذابح في أرمينيا)، وصورة من البيان الذي أصدره شريف مكة عام 1917 لحماية الأرمن، وكتب للمؤرخ والأكاديمي الأرمني البارز فاهاكن دادريان مترجمة الى العربية.

        ويتضمن المتحف أيضاً أصل البرقية التي بعث بها بابا الفاتيكان عام 1915 الى السلطان العثماني في شأن المجازر الأرمنية، الى جانب صور ونصوص البرقيات للسفراء والقناصل المعتمدين لدى الدولة العثمانية، والذين بعثوا لحكوماتهم تقارير عن المجازر الأرمنية، وتقارير شهود العيان من رجال الدين الأجانب، فضلاً عن صور البرقيات التي بعث بها طلعت باشا وزير الداخلية للدولة العثمانية الى المسؤولين العثمانيين ويوعز فيها بتهجير الأرمن وإبادتهم.

          كما تعرض في المتحف نماذج من الملاعق والأواني وقطع القماش المزخرف وغيرها التي حملها معهم الأرمن المهجًّرون، فضلاً عن صور المفكرين والمثقفين الأرمن الذين جرت تصفيتهم في يوم 24 نيسان-أبريل عام 1915 ونسخ من مؤلفاتهم.

        كما شاهدت في المتحف الذي ينزل إليه بالسلالم مقتطفات من الصحف العالمية التي وثقت الإبادة الأرمنية لعام 1915، وأصول وصور القرارات التي تبنتها بعض دول العالم والولايات الأميركية عن الإبادة الأرمنية، وترباً جلبت من الولايات الأرمنية في أرمينيا الغربية (العثمانية)، فضلاً عن اللوحات التشكيلية والموسوعات عن الإبادة.

        وفي المتحف حائط كبير من الحجر نحتت عليه خريطة أرمينيا التاريخية وإقليم كيليكيا بمدنها وأنهارها وبحيراتها. ويحوي المتحف أيضاً مكتبة لبيع المصادر والكتب حول الإبادة الأرمنية.

        وفي النهاية سجلت كلمتي في سجل الزيارة الخاص بالمتحف، ومن ثم زرت للمرة الثالثة نصب الإبادة. وقرب النار الأزلية في النصب كانت تقف فتاة يابانبة بدت لي أنها طالبة في أرمينيا. وقد سألتني عن موقع المتحف، فأجبتها، وبدوري طلبت منها التقاط صورة لي بالقرب من النار الأزلية بكاميرتي، فأستجابت لطلبي.

 

في معهد المخطوطات القديمة (الماديناتاران)

        لا بد للزائر لمدينة يريفان أن يرى معهد المخطوطات الأرمنية القديمة (الماديناتاران) الذي سمي باسم القديس ميسروب ماشدوتس، والذي يقع في مكان مرتفع في نهاية شارع ميسروب ماشدوتس. وقبل الوصول الى المدخل الرئيس للبناية، هناك نصب لمخترع الأبجدية الأرمنية ميسروب ماشدوتس.

        ومن هذا النصب، يرتفع طريق الى المدخل الرئيس للبناية الذي ترتفع على جانبيه أنصاب ستة من العظماء ورجال الفكر الأرمن، وهم:

·        موفسيس خوريناتسي (القرن الخامس الميلادي)، وهو أبو المؤرخين الأرمن، ومؤلف كتاب (تاريخ الأرمن)،

·        مخيتار كوش (1120-1213)، وهو مشرع وكاتب،

·        فريك (القرن الثالث عشر-القرن الرابع عشر)، وهو شاعر،

·        آنانيا شيراكاتسي (القرن السابع الميلادي)، وهو عالم وواضع أساس العلوم الطبيعية عند الأرمن،

·        كريكور داتيفاتسي (1346-1409)، وهو مؤلف وفيلسوف ولاهوتي ورسام،

·        توروس روسلين (القرن الثالث عشر)، وهو رسام فن المنمنمات الأرمني.

        وتحفظ في خزائن (الماديناتاران) أكثر من 16 ألفاً و 500 مخطوطة (14 ألفاً باللغة الأرمنية وألفان وخمسمائة باللغات الأجنبية بضمنها العربية)، وهي مصادر للبحث عن التاريخ والفنون والآداب والعلوم التطبيقية عند الشعب الأرمني ومؤلفات من القرن الخامس الميلادي حتى القرن الثامن عشر لمؤرخين ومؤلفين أرمن معاصرين للأحداث وترجمات لمؤلفين وعلماء من العصور القديمة والوسطى. وتحفظ في خزائن (الماديناتاران) أيضاً نماذج قديمة وفريدة من الأدب العالمي التي لم تحفظ أصولها اليوم ووصلت الى البشرية بفضل ترجماتها إلى اللغة الأرمنية.

وأفتتح المبنى الحالي لـ (الماديناتاران) في العام 1959، ولا يعد خزانة للمخطوطات القديمة فحسب، بل هو معهد لإجراء الدراسات والنشر، إذ تمت ترجمة ونشر مؤلفات كثيرة باللغات الأرمنية والروسية والإنكليزية والفرنسية وغيرها.

وشاهدت بعض المخطوطات القديمة في قاعة العرض الرئيسة في المبنى وقد تمت معالجتها نتيجة لإصابتها بإضرار مختلفة خلال العهود المختلفة. وكان تأثري كبيراً بمشاهدة أكبر مخطوطة أرمنية في (الماديناتاران)، وهي مخطوطة "مختارات المواعظ" (جارندير) التي جلبت من مدينة موش في أرمينيا الغربية، ويبلغ وزنها 27,5 كغم. وقد استعرضت الأحداث المأساوية التي مرت بها هذه المخطوطة، إذ تم إنقاذها وإيصالها بأعجوبة إلى مكانها الحالي. ففي عام 1204 م، قام الأتراك السلاجقة بسلب صاحب هذه المخطوطة واستولوا على هذه المخطوطة الثرية بمحتوياتها وصورها المنمنمة. وقام السكان الأرمن في مناطق مختلفة بجمع 4000 قطعة فضية، وكان مبلغاً باهظاً آنذاك، لاستعادة المخطوطة من سالبيها. وتمت إعادة المخطوطة وحفظت في دير (آراكيلوتس) في مدينة موش.

ولتخليص المخطوطة من التدمير إبان مجازر الإبادة الأرمنية لعام 1915، قامت إمرأتان أرمنيتان بتجزئة المخطوطة إلى جزأين ليسهل نقلها إلى أرمينيا الشرقية. وقد وصل الجزء الأول من المخطوطة إلى مدينة اجميادزين، في حين تعذر نقل الجزء الآخر الذي تم دفنه في باحة كنيسة أرمنية في مدينة أرضروم. ولاحقاً، تم اكتشاف هذا الجزء من المخطوطة تحت الأنقاض بطريق المصادفة، وتم نفله إلى مدينة اجميادزين، وضمه الى الجزء الأخر من المخطوطة.

ويستمر (الماديناتاران) في تلقي المخطوطات الأرمنية القديمة من الأرمن في أنحاء العالم كافة. وتتم معالجة هذه المخطوطات من قبل فريق من المختصين في المعهد. فيقوم الفريق بدراسة مضمون المخطوطة والخط الذي كتب به ومقارنته بالمخطوطات الأخرى ذات المضمون والشكل المتشابه، وبذلك يمكن تحديد تاريخ كتابة المخطوطة ومدى اكتمالها، وأحياناً اسم كاتبها إذا كان مجهولاً.

وقد شاهدت في قاعة العرض الرئيسة في (الماديناتاران) مخطوطات عديدة من هذا النوع أهداها أرمن من فرنسا والولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى في العالم. وكتب إلى جانب المخطوطة اسم الشخص الذي أهادها والدولة والمدينة التي يقطن فيها.

ويصل عدد المخطوطات الأرمنية في العالم الى نحو 25 ألفاً. وثمة مجموعات من المخطوطات الأرمنية في مدينة القدس (4500 مخطوطة في دير القديس يعقوب)، وفينيسيا (4000 مخطوطة في دار الكتب للآباء المخيتاريين الأرمن)، وفيينا (1200 مخطوطة في دار الكتب للآباء المخيتاريين الأرمن)، وأصفهان (1000 مخطوطة في دير نور جوغا)، وباريس (المكتبة الوطنية)، ولندن (المتحف البريطاني)، واكسفورد، وتفليس، واسطنبول، وبرلين، ونيويورك، وواشنطن، ومدن أخرى في العالم.

  

في متحف تاريخ أرمينيا

        يقع المتحف الحكومي لتاريخ أرمينيا في ساحة (الجمهورية)، وقد تأسس في العام 1921، وتحفظ فيه أكثر من (300) ألف معروض أثري تسلط الضوء على تاريخ الشعب الأرمني منذ الأزمنة القديمة وحتى الوقت الحاضر.

        ويضم المتحف قاعات في الطابقين الأرضي والأول من المبنى تحوي معروضات من الحقب التاريخية المختلفة من السجاجيد، والصلبان الحجرية، والأبواب الخشبية المزخرفة للكنائس والأديار، والملابس الكهنوتية، والصناعات اليدوية، والتماثيل، والمصوغات الذهبية، والنقود المعدنية التي استخدمت في أرمينيا في الحقب التاريخية المختلفة، إلى جانب أنواع مختلفة من اللقى الأثرية التي وجدت أثناء التنقيبات الأثرية التي أجريت في أرمينيا في العقود الأخيرة.

        وقد جذب انتباهي في هذا المتحف، بشكل خاص، الجزء الذي عرضت فيه خرائط أرمينيا في العصور التاريخية المختلفة، ويحوي خرائط شرقية قديمة ويونانية ورومانية، وخرائط مسيحية وإسلامية من القرن السادس ق.م. وحتى القرن التاسع عشر الميلادي. وفي جميع هذه الخرائط، تم تسجيل أرمينيا كوحدة إقليمية مستقلة لها أسمها وجبالها وأنهارها ومدنها. وتحفظ أصول أغلب هذه الخرائط في المكتبة البريطانية في لندن، والمكتبة الوطنية في باريس، والمكتبة الرسولية في الفاتيكان، والمكتبة البودلية في اكسفورد، ومكتبة جامعة بولوغنا، والمكتبة الوطنية المركزية لمدينة فلورنسا.

        ومن مجموعة الخرائط هذه توجد خريطة بعنوان: "تركيا في آسيا" المطبوعة في حي اسكودار في مدينة اسطنبول خلال عامي 1803 و 1804، والموجودة في المكتبة البريطانية بلندن. وهذه الخريطة هي إحدى الخرائط في (أطلس العالم) العثمانية المترجمة عن كتاب (الأطلس العام) لويليام فادن المنشور في لندن في عام 1797. وتظهر في هذه الخريطة الأجزاء الآسيوية من تركيا، وتُبيّن أرمينيا هنا منقسمة بين عجمستان (إيران) والإمبراطورية العثمانية، وأعطيت لعدد من ولاياتها أسماؤها الأرمنية. كما أطلقت على ولايتي (فان أو وان) و (أرضروم) تسمية (أرمنستان)، أي أرمينيا. وتظهر أذربيجان في هذه الخريطة الى الجنوب من نهر آراكس (الرس) كإحدى الولايات في إيران.

 

لقاءات بالأرمن العراقيين

        خلال زيارتي لمدينة يريفان، التقيت بالعديد من الأرمن العراقيين، وقد قيل لي أن هنالك نحو (60) عائلة أرمنية من العراق سكنت في أرمينيا قبل الغزو الأميركي-البريطاني للعراق عام 2003 وبعده، وهم يلتقون مع بعضهم البعض خلال المناسبات والأعياد الدينية والقومية، والبعض الآخر يلتقي مع الآخرين بشكل مستمر.

        وقد التقيت بعض الأرمن العراقيين مصادفة خلال تجوالي في شوارع المدينة ومترو الأنفاق، ولدى زيارتي لنصب الإبادة الأرمنية، في حبن قام آخرون بدعوتي لزيارتهم. وقد سألني جميع الأرمن العراقيين الذي التقيت بهم بلهفة عن أخبار العراق وأخبار الأهل والأصدقاء هناك، وهم يشاهدون دائماً القنوات الفضائية العراقية والعربية، ويشعرون بشوق وحنين كبيرين إلى العراق. وأخبرتني امرأة أرمنية عراقية كانت قد قطنت أرمينيا منذ عام 2003 أنها تبكي بكاءً شديداً كلما تشاهد أغاني المطرب العراقي هيثم يوسف على القنوات الفضائية العراقية، لا سيما تلك التي تتغنى بالعراق والحنين إليه في الغربة.

وأنا بدوري، ومع تمتعي بأوقاتي وتجوالي في مدينة يريفان، كنت أشعر بالحنين إلى أهلي وأصدقائي في بغداد. وكنت أتألم بشدة لدى مشاهدتي للأخبار عن تدهور الوضع الأمني في العراق الذي يحصد أرواح الآلاف من الأبرياء من أبناء بلدي.

وحملني هاكوب، وهو أرمني عراقي يقيم في يريفان مع عائلته منذ تموز-يوليو 2005، حملني لدى توديعي له قبل مغادرة أرمينيا بساعات أن أنقل سلاماً حاراً وخاصاً إلى جميع أهل العراق، وها أنا أنقل هذا السلام بأمانة عبر هذه السطور !!

 

لقاء مع الشاعرة الأرمنية الكبيرة سيلفا كابوديكيان

تلقيت أثناء وجودي في مدينة يريفان دعوة من أحد الأصدقاء من الأرمن العراقيين الذين استقروا في أرمينيا لحضور دعوة الغداء الذي أقامها في منزله على شرف اثنين من الأكاديميين الأرمن البارزين، وهما: الشاعرة الأرمنية الكبيرة سيلفا كابوديكيان، والمختص في العمارة الأرمنية فارازتاد هاروتونيان. وتبلغ الشاعرة كابوديكيان السابعة والثمانين من العمر، في ما يبلغ الأكاديمي هاروتونيان السابعة والتسعين من العمر.

وبغرض التعارف، أخذت الشاعرة الكبيرة تسأل الحضور عن أسمائهم. وعندما سألتني عن اسمي، أجبتها أنه آرا، فقالت: إنه اسم ابني، في إشارة إلى ابنها الفنان والنحات البارز آرا شيراز. وقد التقطت صوراً تذكارية مع الأكاديميين الأرمنيين اللذين سألانا أيضاً عن أحوال العراق والأرمن فيه. وقال هاروتونيان: إنه كان قد زار العراق في عام 1968 وتجول في أنحائه، وتمنى انسحاب القوات الأجنبية من البلاد ليتولى العراقيون زمام أمورهم بأنفسهم ويقومون بإعمار بلادهم. وأضاف: إن العراقيين، ومنهم الأرمن، يتميزون بالنشاط والحيوية، وتمنى للشعب العراقي الخير والازدهار.

وكنت أحلم بلقاء الشاعرة كابوديكيان التي قرأت أشعارها منذ سني دراستي في مدرسة الأرمن المتحدة الأهلية ببغداد. وقد رأيت الشاعرة، برغم كبر سنها، وهي تتمتع بالحيوية والذاكرة القوية، وتعقب بشكل ظريف على أقوال بعض الحضور !!
 

قصة إقليم آرتساخ-غاراباغ الجبلي

        سمي إقليم غاراباغ بأسماء مختلفة تاريخياً. فقد سمي باسم (آرتساخ) الذي يتداول حتى اليوم من قبل سكان الإقليم أنفسهم. و(آرتساخ) تسمية أرمنية مؤلفة من مقطعين (-آر- نسبة الى آرا إله الشمس عند الأرمن و –تساخ- تعني غابة أو كرمة)، وبذلك، تعني كلمة (آرتساخ) غابة أو كرمة الإله آرا.

        كما أطلق على الإقليم في المصادر العربية والأرمنية والبيزنطية والفارسية بين القرنين العاشر والثالث عشر الميلادي اسم (خاجين)، وهي مشتقة من كلمة (خاج) التي تعني صليب باللغة الأرمنية. ومنذ عهد ملك أرمينيا ساردور الثاني (765-735 ق.م.)، كانت (آرتساخ) جزءاً لا يتجزأ من أرمينيا.

        تعرض الإقليم إلى غزوات الأتراك السلاجقة والتتر في القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلادي، مما أدى إلى انسحاب الأرمن إلى المعاقل والمناطق الجبلية، في حين استقر الغزاة في المناطق المنبسطة. وفي القرن الرابع عشر الميلادي، تم تغيير اسم الإقليم من قبل الغزاة لطمس هويتها الأرمنية لتصبح (غاراباغ) أو (قره باغ) (ومعناها الكرمة السوداء).

        وفي عام 1813، ضمت امارات آرتساخ-غاراباغ الأرمنية إلى روسيا القيصرية بموجب اتفاقية (كيولستان) بعد الحرب الروسية-الفارسية. وفي عام 1918، وبعد استقلال (أذربيجان) الذي وضع أسمها آنذاك لأول مرة كدولة على الخريطة، أصبحت غاراباغ موضع نزاع مع أرمينيا. ولم تكن قد ظهرت بعد تسمية (الأذربيجانيين)، بل التتر أو أتراك القوقاز حتى عام 1930.

        إلا أنه، وبضغط من ستالين، تقرر إدخال الإقليم ضمن أذربيجان مع إعطائه حكماً ذاتياً. وفي 7 تموز-يوليو 1923، أعلن عن تكوين (إقليم غاراباغ الجبلي -أو ناغورني كاراباخ- للحكم الذاتي)، على الرغم من اعتراضات الأرمن. وسميت عاصمة الإقليم (ستيباناكيرت) نسبة إلى الزعيم البلشفي الأرمني ستيبان شاهوميان.

        ونتيجة لسياسة القمع والاضطهاد القومي التي انتهجتها أذربيجان، قلت نسبة الأرمن في الإقليم من 94,4 بالمائة في عام 1921 إلى 76,9 بالمائة عام 1989. وقد تم الإعلان عن جمهورية آرتساخ-غاراباغ الجبلية في 2 أيلول-سبتمبر 1991، وأجري استفتاء في 10 كانون الأول-ديسمبر 1991، بحضور مراقبين من الاتحاد السوفييتي السابق والعالم، صوت فيه 82 بالمائة من السكان إلى جانب استقلال الجمهورية عن أذربيجان.

        وخاض الإقليم نضالاً مسلحاً ضد القوات الأذربيجانية المهاجمة انتهت بانتصار جيش الدفاع الذاتي لغاراباغ، وتوقيع الهدنة بين الطرفين عام 1994، والتي ما زالت مستمرة حتى الآن مع بعض الخروقات من قبل الجانب الأذربيجاني الذي يهدد بين آونة وأخرى باللجوء إلى القوة المسلحة لفرض سيطرته على الإقليم ومنحه ما يسميه (حكماً ذاتياً واسع النطاق). وتستمر المفاوضات بين الجانبين الأرمني والأذربيجاني بإشراف مجموعة مينسك في منظمة <