في أعقاب الحرب على العراق عام 2003، تغير الوضع الدولي في منطقة الشرق الأوسط. فأصبح عراق ما بعد الحرب والأكراد فيه حليفين رئيسين للولايات المتحدة بدلاً من تركيا، لا سيما أن الأخيرة لم توافق على فتح الجبهة الشمالية أثناء الحرب، وأخذت تتقارب مع سوريا بالضد من التوجهات الأميركية لعزل سوريا.
وبدأ العديد من الأوساط السياسية والأكاديمية والإعلامية الأميركية يتحدث بصوت عال ضد تركيا وحزب العدالة والتنمية الحاكم فيها بحجة تهربها من التعاون مع واشنطن في العديد من القضايا الإستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة. كما بدأت أوساط أخرى تهدد باحتمالات أن يصادق الكونغرس الأميركي على مشروع قرار يدعو أنقرة إلى الاعتراف بالمجازر الأرمنية[1].
وبحسب تقارير أشارت إليها أحد مواقع الانترنت التركية[2]، كانت الحكومة التركية تنتظر حتى 24 نيسان-أبريل، وهو اليوم الذي يحيي فيه الأرمن كل عام ذكرى الإبادة الأرمنية لعام 1915، لاتخاذ قرار نهائي حول قاعدة انجرليك بالتجديد لاستخدامها كفاعدة لوجستية للعمليات في أفغانستان والعراق. وعلى الرغم من إنكار ذلك من قبل المصادر الرسمية التركية، فأنه زعم استخدام هذه المسألة من قبل الحكومة التركية كورقة ضد إمكانية الاعتراف الرسمي بالإبادة الأرمنية.
وفي الذكرى السنوية الثانية للغزو الأميركي-البريطاني للعراق في 20 آذار-مارس 2005، قال وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد إنه يأسف لأن تركيا لم تسمح للقوات الأميركية بدخول شمال العراق من أراضيها خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، مضيفاً: إنه :نظراً لمستوى التمرد الحالي، فمن الواضح أنه لو استطعنا إدخال كتيبة المشاة الرابعة عبر تركيا، لكان تم اعتقال أو قتل مزيد من عناصر نظام صدام حسين ولكانت حدة التمرد اقل"[3].
وحسب استطلاع أجرته هيئة الإذاعة البريطانية BBC في شهر كانون الثاني-يناير 2005، فأن 82 في المائة من الأتراك يعتقدون بأن إعادة انتخاب الرئيس الأميركي بوش جعلت العالم مكاناً أكثر خطورة، وهي أعلى نسبة في أية دولة استطلعت فيها الآراء حول هذه المسالة. وقد أعربت وزيرة الخارجية الأميركية رايس عن فلقها للمسؤولين الأتراك من هذه المسألة خلال زيارتها لتركيا[4]. كما أن زيارة الرئيس التركي أحمد نجدت سيزر إلى دمشق في نيسان-أبريل 2005 أثارت عدم الارتياح لدى الولايات المتحدة أكبر حلفاء أنقرة[5].
وهماك خلافاً متزايداً بين أنقرة وواشنطن حول ما تعتبره أنقرة فشلاً أميركياً في اتخاذ إجراء عسكري ضد (الانفصاليين) التابعين لحزب العمال الكردستاني المتمركزين في الجبال شمالي العراق، فضلاً عن قلق أنقرة حيال الأحداث في مدينة كركوك العراقية الغنية بالنفط، وقولها إن الأكراد في العراق يقومون بعملية انتزاع بالقوة لهذه المدينة تمهيداً لإعلان (دولة كردستان المستقلة) التي تنظر إليها كتهديد جدي[6].
وفي لقائه مع وزير البنى التحتية (الإسرائيلي) يوسف باريتسكي في 25 أيار-مايس 2004، سأل رئيس الوزراء التركي اردوغان الوزير (الإسرائيلي): "ما الفرق بين الإرهابيين الذين يقتلون المدنيين (الإسرائيليين) وبين (إسرائيل) التي تقتل أيضا المدنيين ؟". ورفض اردوغان مقابلة نائب رئيس الوزراء (الإسرائيلي) آنذاك ايهود اولمرت الذي كان في أنقرة في تموز-يوليو 2004 لمحاولة إصلاح علاقات (إسرائيل) المتدهورة مع تركيا[7]. كما وصلت هذه العلاقات إلى أدنى مستوى لها عندما رفض اردوغان دعوة موجهة له لزيارة (إسرائيل)، وسحبت أنقرة بشكل مؤقت سفيرها وقنصلها العام من (إسرائيل)[8]. بيد أن اردوغان اضطر لاحقاً لزيارة (إسرائيل) للطلب منها التأثير في اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة للعمل ضد مشروع القرار حول الإبادة الأرمنية المقدم إلى الكونغرس الأميركي.
وذكرت صحيفة (ملييت) التركية في 18 آذار-مارس 2005 أن نائب وزير الدفاع الأميركي بول ولفوفيتز، وكان شخصية مؤثرة في البنتاغون آنذاك، وجّه (رسالة حساسة) إلى مجموعة من البرلمانيين الأتراك الزائرين للولايات المتحدة، (مقترحاً) أن تتخذ أنقرة خطوات معينة لمساعدة الإدارة الأميركية على منع محاولة محتملة في الكونغرس الأميركي للاعتراف بالإبادة الأرمنية كجزء من الحملة الأرمنية في الفترة التي تسبق 24 نيسان-أبريل، وهو يوم إحياء الذكرى السنوية للإبادة الأرمنية. وقالت الصحيفة التركية إن الولايات المتحدة كانت تتوقع من تركيا تحسين روابطها مع أرمينيا وفتح البوابة الحدودية المغلقة[9]، وإعادة فتح المعهد اللاهوتي التابع للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية بالقرب من اسطنبول، وتبني موقف أكثر وضوحاً في إدانة اللهجة (المعادية للسامية) والمعادية للولايات المتحدة في أوساط الرأي العام التركي، والتنسيق بشكل أفضل مع الولايات المتحدة في قضايا العراق وسوريا[10].
وقالت صحيفة (مرمرة) الصادرة باللغة الأرمنية في اسطنبول في 9 حزيران-يونيو 2005 [11]: إن رئيس الوزراء التركي اردوغان التقى في واشنطن قبل يوم الرئيس الأميركي جورج بوش. وأضافت الصحيفة: إن الصور المأخوذة أثناء اللقاء وفي المؤتمر الصحفي الذي أعقبه تظهر الوجه غير الباسم والقلق لاردوغان، موحية أن اللقاء مع بوش لم يكن على ما يرام. وأشارت الصحيفة إلى أن اردوغان تحدث باستمرار أثناء المؤتمر الصحفي عن (الشراكة الإستراتيجية) بين تركيا والولايات المتحدة، في حين فضّل الرئيس الأميركي استخدام تعبير (العلاقات الإستراتيجية). وبلا شك، فأن مفهوم (الشراكة) أوسع بكثير من مفهوم (العلاقات)".
ومهما يكن، فأنه من المبكر الحديث عن انفراط عقد التحالف الاستراتيجي بين تركيا والولايات المتحدة. ولكن يمكن الاستنتاج من معطيات عديدة، أهمها الأوضاع في شمالي العراق، أنه لم تعد المصالح التركية تتطابق مع المصالح الأميركية في منطقتي الشرق الأدنى والشرق الأوسط. ويمكن قول الشيء ذاته بالنسبة لـ(إسرائيل). ولا يستبعد، نتيجة لهذا الخلاف، أن تتعمق الخلافات التركية-الأميركية الحالية حول العلاقات الأرمنية-التركية، وستظهر هذه الخلافات جلية عندما يصبح الاهتمام الأميركي بتسوية العلاقات الأرمنية-التركية ملحاً من أجل إعادة التشكيل للمنطقة، مما يجبر أنقرة على الاهتمام بالتوجهات الأميركية هذه.
[1] حسني محلي، تصاعد الضغوط الأوروبية على تركيا، صحيفة المستقبل، 22/3/2005.
[8]Op. Cit.
[9] تأتي هذه الدعوة، كما ذكر، لمساعدة الإدارة الأميركية على منع محاولة محتملة في الكونغرس الأميركي للتصويت على مشروع قرار في شأن الإبادة الأرمنية، وليس من حرص الإدارة الأميركية على أرمينيا أو على تطوير العلاقات الأرمنية-التركية.








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية