بعد توقف العدوان (الإسرائيلي) على لبنان على إثر الصمود البطولي للمقاومة اللبنانية وصدور القرار المرقم 1701 لمجلس الأمن الدولي الذي نص على زيادة عدد قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) العاملة في جنوبي لبنان من ألفي جندي حالياً إلى خمسة عشر ألف مع زيادة مهماتها، بعد هذا كله برز العديد من الإشكاليات حول طبيعة ومهمة القوات الدولية والدول التي ستشارك في هذه القوات. ويخشى قادة الدول المزمع مشاركتها في القوة الدولية من إرسال قوات إلى منطقة تتميز بالنزاعات السياسية والدينية، لا سيما أن التجارب السابقة في هذا المجال غير مشجعة.
وأثارت مسألة مشاركة القوات التركية في القوة الدولية رفض الأرمن اللبنانيين بقياداتهم السياسية والحزبية والدينية كافة، فضلاً عن رفض الأرمن في أنحاء العالم كافة. ولم ينطلق هذا الرفض من دوافع تعرض الأرمن للإبادة المنظمة عام 1915 من قبل السلطات العثمانية، وإنكار الحكومات التركية المتعاقبة لهذه الإبادة أو تسويغها فحسب، بل أن "ساحة الشهداء تروي الحكاية، بأن لبنان أيضا لم يسلم من هذه المجازر والأعمال الوحشية وانتهاك حريات أبنائه في ذاك العهد فكيف لبلد ضالع في المجازر والحروب وانتهاك الحريات أن يكون هو نفسه الرقيب على سلامة الأوطان وصون الحريات. وإذا كان السبب غير كاف فقط ليتذكر الجميع أن لتركيا وهي أول دولة مسلمة توقع معاهدة سلام مع )إسرائيل(، أضف إلى ذلك توقيع اتفاقيات التسلح والدفاع المشترك والتي تشمل التعاون ألاستخباراتي ما بين تركيا و(إسرائيل) فكيف لبلد حليف لـ (إسرائيل) أن يكلف رقيباً عليها ؟"[1].
ودعا رؤساء الطوائف الأرمنية في لبنان الحكومة إلى رفض مشاركة قوات تركية في قوة (اليونيفيل) "احتراماً لمشاعر الأرمن وتحفظهم من المشاركة التركية في هذه القوة"[2].
وطالب وزراء ونواب أرمن لبنانيون الحكومة اللبنانية بعدم القبول بمشاركة قوات تركية في القوة الدولية. واصدر وزير الدولة للتنمية الإدارية جان اوغاسبيان والنواب الأرمن بيانا مشتركا قالوا فيه: "إذا كانت الحكومة تبذل جهودا مخلصة للإسراع في تطبيق القرار الدولي 1701 ومجيء القوة الدولية المعززة إلى لبنان، لمؤازرة الجيش اللبناني في ترسيخ الأمن في منطقة جنوب الليطاني، إلا أن ما يهمنا في هذا الإطار، هو الطلب من مجلس الوزراء اللبناني أن يأخذ في الاعتبار تحفظاتنا واعتراضاتنا مع أبناء طوائفنا الأرمنية، على مشاركة القوة التركية في هذه القوة الدولية. فتركيا التي لم تعترف حتى اليوم بالمجازر التي ارتكبها الأتراك في حق أبناء شعبنا الأرمني، لم تقم حتى الآن بأي مسعى لتصحيح هذه الصورة الأليمة التي تبقى مطبوعة في ذاكرة كل ارمني. ومعلوم أن هذه المجازر كانت السبب الرئيسي والمباشر لمجيء أبناء الطائفة الأرمنية إلى لبنان، حيث شكل الأرمن إحدى الطوائف الأكبر ديناميكية ومسالمة"[3].
وتأتي الرغبة الرسمية التركية بالمشاركة في (اليونيفيل) حتى بالضد من الرغبة الشعبية التركية، "وسط استمرار اعتراض شعبي واسع حيث أثبتت استطلاعات الرأي أن 86 % من الشعب التركي ضد هذه الخطوة. واستمر زعماء الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، أو الموجودة خارجه، في توجيه انتقادات عنيفة للحكومة وحملوها مسؤولية المخاطر التي ستواجه الجيش وتركيا عموما من المشاركة في (اليونيفيل). واتهمت المنظمات الشعبية الحكومة بالرضوخ للمطالب والضغوط الأميركية والأوروبية وتحمل دور جديد في المخططات الأمريكية في المنطقة ... وعبر نواب أتراك عديدون عن قلقهم من احتمالات المواجهة بين الجنود الأتراك ومقاتلي حزب الله، كما لفت بعضهم الانتباه إلى وجود الأرمن والأكراد في لبنان، واحتمالات أن يقوم بعضهم بـ(استفزازات) ضد الجيش التركي"[4].
ونفذت (جمعية طلاب زافاريان) وقسم الشباب في حزب الطاشناق اعتصاماً سلمياً أمام بيت الأمم المتحدة (الاسكوا) في وسط بيروت، للإعراب عن رفضهم القاطع والجازم لقدوم أي قوة تركية إلى لبنان. وسلم المعتصمون رسالة بهذا الشأن إلى الأمين العام للأمم المتحدة السيد كوفي انان، دعته إلى أن يأخذ في الاعتبار الصوت الأرمني الذي هو عنصر فعال في المجتمع اللبناني[5].
وتظاهر مئات من الأرمن اللبنانيين رفضا للمشاركة التركية في قوة الأمم المتحدة في جنوبي لبنان، في ضاحية برج حمود ذات الغالبية الارمنية شرقي بيروت حاملين أعلاما لبنانية ولافتات تطالب الأمم المتحدة بإعادة النظر في قرار المشاركة التركية في (اليونيفيل). وكتبت على اللافتات عبارات عدة منها (إبادة، مذبحة، تشريد: التعريف التركي للسلام)، و(لا للمشاركة التركية في القوات الدولية القادمة إلى لبنان). وكان النواب الأرمن قد وجهوا رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان وسفراء الدول الغربية في بيروت، مطالبين إياهم برفض المشاركة التركية في قوة الأمم المتحدة[6].
ودعا رئيس الحزب الديمقراطي النائب السابق طلال ارسلان القوى والمكونات السياسية في المجتمع اللبناني إلى وقفة تضامن وطني مع الطائفة الارمنية اللبنانية في موقفها من مشاركة القوات التركية في (اليونيفيل). وقال في بيان له: "لا يجوز إطلاقاً أن تقف هذه الشريحة الأساسية من المجتمع اللبناني لوحدها أمام هذا الحدث الذي يحرّك ذكريات أليمة عند إخوتنا الأرمن الذين يشكلون قدوة يقتدى بها في الحفاظ على الوحدة الوطنية اللبنانية والسلم الأهلي والانفتاح على كل مكونات المجتمع اللبناني من دون أي استثناء". وأضاف: "إننا في موقفنا هذا لا نكن أي عداءٍ أو رفض لجيراننا الأتراك، بل نشجع على الحوار بينهم وبين الأرمن لطي صفحة الماضي الأليمة وبناء مستقبل حضاري يسوده التفهم والتفاهم ما بين الأتراك والأرمن لما فيه خير السلام الإقليمي والسلام الدولي[7]. ونطلب من الحكومة اللبنانية أن تتحمل مسؤوليتها وان تصغي إلى صرخة الألم التي يطلقها أهلنا اللبنانيون الأرمن" [8].
ولفت رئيس طائفة الأرمن الأرثوذكس في لبنان المطران كيغام خاتشريان "النظر لفكرة «إشراك حليف عدوي» في حفظ أرضي ووطني فكيف لنا أن نؤمن له ؟»، مشيراً إلى ما قاله رئيس الوزراء (الإسرائيلي) الذي لم يتوان عن الإعلان بترحيبه بالمشاركة التركية وإبرازه كامل الثقة بها. ودعا المطران خاتشريان الأطراف كافة للنظر إلى هذا الموضوع من المنظور اللبناني، معتبراً مشاركة تركيا، وما بين السطور، كأنها مفروضة من قبل العدو (الإسرائيلي) وأوضح «أنه إذا أرادت تركيا أن تبرهن للعالم عن نواياها الحسنة فلتفعل ذلك بدءاً في بيتها الداخلي وليس في بيوت غيرها»"[9].
وعدّد المطران خاتشريان أسباب رفض الأرمن للمشاركة التركية في (اليونيفيل) بأن "تركيا كبلد لها تاريخ دام وسجلات الدولة التركية في احترام حقوق الإنسان وتطبيق العدالة الاجتماعية لا تخفى على احد، كما أن لديها توجها تعسفياً ضد أي دولة أو شعب، ويظهر ذلك جلياً في تعاملها مع الدول المجاورة كمحاصرتها لأرمينيا، إضافة إلى كونها طرفاً في النزاع القبرصي". وطرح السؤال الآتي: "كيف ستأتي القوات التركية كقوات دولية تابعة للأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه تقف الأمم المتحدة بينها وبين اليونان في نزاعهما؟ " [10].
ويبدو أن رئيس الحكومة اللبنانية قد أصيب بأزمة سياسية وأخلاقية وفقدان للذاكرة التاريخية. فهو لم يعد يتذكر ما فعله الأتراك في لبنان في الماضي من تهجير وتجويع وإبادة بحق اللبنانيين فحسب، بل لا يتذكر مواقف الدول أثناء العدوان (الإسرائيلي) الأخير على لبنان عندما استقبل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، ووُصفت زيارته للبنان بـ (التاريخية) ودماء الشهداء اللبنانيين لم تجف بعد. فبلير شخص غير مرحب به في لبنان، وهو شريك في القتل مع (الإسرائيليين) وزيارته للبنان اهانة لمشاعر اللبنانيين. واعتبر الأمين العام لحزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله استقبال حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة نظيره البريطاني، خطأ وتصرفا غير أخلاقي. وقال في مقابلة مع قناة الجزيرة الفضائية بثت في 12 أيلول-سبتمبر 2006: إن زيارة بلير (إلى لبنان) كارثة وطنية إذا كانت قد تمت بدعوة من حكومة السنيورة، وإنها إهانة وطنية لو تمت بطلب من رئيس الوزراء البريطاني نفسه.
كما وصف الأمين العام للحزب بلير بأنه شريك في قتل اللبنانيين خلال الحرب الأخيرة مع (إسرائيل)، وأضاف بصيغة سؤال موجه للحكومة "كيف إذن تأتون به إلى بيتي أليس لديكم مشاعر؟"[11].
لذا، يبقى على الطائفة الأرمنية في لبنان، وهي إحدى الطوائف الرئيسة السبع في لبنان، أن تضم جهودها إلى جهود جميع الخيرين في لبنان من قوى وأحزاب وتيارات سياسية وطوائف دينية، وعلى رأسهم الرئيس اللبناني أميل لحود، وحزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر برئاسة العماد ميشيل عون والأكراد في لبنان، فضلاً عن الجهود التي تبذلها الجاليات الأرمنية في دول العالم كافة للضغط على حكوماتها لإفشال الرغبة التركية في إرسال قوات تركية إلى لبنان، كما أفشل الأكراد والقوى الخيرة في العراق رغبة تركيا نهاية عام 2003 في إرسال قوات إلى العراق كانت ستضم 15 ألف جندي، وهي أكثر من تعداد الجيش البريطاني الموجود حالياً في العراق وتعادل، في الوقت ذاته، كل قوة (اليونيفيل) بحسب القرار 1701 لمجلس الأمن الدولي، على الرغم من الحاجة الماسة للجيش الأميركي لمساندة هذه القوات لها في العراق.
[7] بلا شك سيقوم هذا السلام على أساس تحقيق العدالة التاريخية وتصالح تركيا مع ماضيها والاعتراف بالإبادة الأرمنية.
[8]http://www.albaladonline.com/new/modules.php?op=modload&name=News&file=archivedarticle&sid=118003&archive=1








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية